عُرس الجيران.. بدون دعوة

الثلاثاء 18 أبريل 2017 05:15 م بتوقيت القدس المحتلة

عُرس الجيران.. بدون دعوة

مي ملكاوي / كاتبة وصحفية

بدأ الانقلاب... زرعت وزوجي الأرض ذهابا وإياباً لا ندري ما نحن فاعلين من القلق والتوتر، نضرب كفاً بكفّ ونتابع الأخبار من كل المصادر الإخبارية ومن التلفزيونات التي تبث مباشرة على الإنترنت ومن المصادر الشعبية من صفحات مواقع التواصل من الأصدقاء في تركيا وغير تركيا عبر حواسيبنا وعبر هواتفنا... حتى صارت طاولة الطعام بالبيت تشبه ديسك الأخبار في المحطات الإخبارية.

انتهى الانقلاب في تركيا فاشلاً... هللنا وتنفسنا الصعداء في ذلك اليوم الحافل، وقد كان الوقت عندنا في أمريكا عصراً وحتى وقت المغرب وكان ليلاً وحتى الفجر وقت الأحداث، بدأنا بعدها رحلة متابعة التحليلات والتفسيرات والمماحكات بين المهللين بفشل الانقلاب والغاضبين ممن يطلقون على أنفسهم ليبراليين فرحوا عند قيام الانقلاب ثم انتكسوا وبدأوا بتبرير موقفهم ضد الدستورية والديمقراطية بعد ذلك.

كل تلك اللحظات العصيبة ثم لحظات الفرح العارمة التي انتباتنا ونحن في بيتنا لم نغادره... ذكرتني عندما انحبست الأنفاس قبيل إعلان الرئيس المخلوع حسني مبارك تخليه عن الحكم، وتذكرنا لحظات انتخاب محمد مرسي رئيسا شرعياً منتخباً لأول مرة في تاريخ مصر وكيف قفزنا فرحاً... ثم تذكرنا لحظات الانقلاب عليه من قبل جيش لم يعرف الديمقراطية يوماً في ظل حكم ديكتاتوري لأكثر من 30 سنة... وتذكرت يومها كيف انقلب البيت نكِداً ومهموماً لأيام بل لأشهر... بل ربما حتى اليوم ونحن نتابع ما يجري في مصر.

" بالرغم من الاختلاف على دور تركيا في ما يجري بمنطقتنا من صراع وحروب، لكن الحقيقة أن تركيا اليوم أصبحت الأكثر انفتاحاً على الشرق الأوسط"

والآن وقد جرى استفتاء التعديلات الدستورية في تركيا، ففرض الحدث نفسه من جديد علينا، فتحولنا من جديد متابعين مهتمين بقلق وجدية ما سيجري في تركيا، "نعم... لا ... نعم، لا" ونناقش الأمر بجدية مرة وبمزاح ومحاولة لإطراء الأجواء مرة أخرى. فما الذي نبتغيه نحن من نجاح تجربة الاستفتاء الشعبي على تعديلات لن تمسنا وفي دولة لن نستفيد منها شيئاً؟ وما الذي كان يهمنا لو نجح الانقلاب العسكري في #تركيا أم فشل؟

لماذا انقبلت الدنيا من جديد وتفاعلت مواقع التواصل الاجتماعي دون كلل من الناس ومن منصات التواصل الإعلامي المختلفة، وخاصة بين المتصفحين العرب أكثر من غيرهم؟ هل فقط لأننا نحب تركيا ونميل لأردوغان أنموذج "السلطان والخليفة في عيوننا المُزغلِلة هُياماً"؟ أم لأننا نريد أن نستمر في الذهاب للسياحة والدراسة والعمل في تركيا ولا نريد أن نخسر ذلك؟ لن أغوص بالسياسة وفي حقيقة نتائج التعديلات الدستورية والتي اعتبرها البعض زيادة في ديكتاتورية الرئيس وليس تدعيماً لديمقراطيته، السياسة لها ناسها وأنا هنا أناقش العاطفة والتأثير الإعلامي فيما جرى.

فبالرغم من الاختلاف على دور تركيا في ما يجري بمنطقتنا من صراع وحروب، لكن الحقيقة أن تركيا اليوم أصبحت الأكثر انفتاحاً على الشرق الأوسط، لم تستقبل الملايين من اللاجئين السوريين والعراقيين وغيرهم وفتحت لهم سبل الحياة وبسطتها فحسب، لكنها قبل ذلك فتحت أبواب الاستثمار الاقتصادي للتجار العرب وغيرهم لمزيد من التبادل التجاري بكل أشكاله، كما فتحت آفاق الاستمثار في مجال الإعلام وسمحت للكثير من القنوات العربية بالعمل في تركيا ما فتح المجال للعديد من فرص العمل الجديدة المختلفة الميادين والتي تزداد يوماً بعد يوم... بل إن هجرة اقتصادية باتت حقيقية بدلاً من دول الخليج التي تعصف فيها رياح الأزمات الاقتصادية نحو تركيا الجديدة الديمقراطية.

بالطبع تركيا تستفيد من كل ذلك اقتصادياً وسياسياً وثقافياً، لكننا نحن أيضاً بتنا نستفيد بعدما أغلقت أبواب كثيرة في بلداننا بكل الأصعدة التجارية والسياسية والحريّاتية، لنجدها هناك في اسطنبول. كما أن تركيا منحت المئات من الطلبة فرصاً للدراسة على حساب حكومتها... فما تزال تعطي منح لدراسة درجات البكالوريوس والماجستير والدكتوراة لأولئك الذين لم يجدوا فرصاً في بلادهم أو في البلاد الأوروبية أو في أمريكا، كما بدأت تسمح للكثير من العرب وغير العرب بالعيش والعمل بأريحية وبتسهيلات كثيرة، أنا شخصياً لدي عشرات الأصدقاء والصديقات ممن يعملون حالياً في أسطنبول ليس فقط في الإعلام بل في مجالات أخرى متعددة، ورغم انتقادهم للكثير من المظاهر التركية والمواقف التي تصدر عن الحكومة والناس... لكنهم يبقون هناك يعيشون برحابة وبانبساط يحسدهم عليها الكثيرون.

" قد لا ينفع جلد الذات دائماً، ولا يجدي التعميم كذلك فبعض الدول العربية أفضل حالاً من أخرى في مسألة الحريات الاقتصادية والسياسية، لكن علينا أن نعترف أننا انبهرنا بالنموذج التركي كدولة وليس كـ"أردوغان"

ورغم أن تركيا بالفعل شاركت في التحالف ضد ما يسمى بـ"داعش" وتورطت سياسياً في ما يجري بالوطن العربي إلا مواقفها لا تشبه أبداً مواقف الدول الأخرى المتورطة غصباً عنها وبضغوطات أمريكية وأوروبية، ورغم أن تركيا أعادت التطبيع مع الكيان الصهيوني بشكل ما أيضاً لأسباب تابعه لسياستها الدولية ومصالحها الداخلية لكن إعادة الاتفاقية بين تركيا والاحتلال الإسرائيلي جاءت بشروط وتنازلات كثيرة من قبل الكيان الإسرائيلي لصالح قطاع غزة المحاصر وغيرها من الشروط التي رضخت لها حكومة الاحتلال. وقد لا يعرف الكثيرون أو لا يدركون أن تركيا تشكل غصة في حلق الحكومة الأمريكية والأوروبية إضافة الى غصة كبرى في حلوق دول عربية كثيرة لا مصلحة لها في تعرفنا على معنى الديمقراطية الحقيقية.

نعم... قلوبنا خفقت مع بدأ الانقلاب وهللت مع انتهائه فاشلاً، وتهللت مع كل "ايفيتنعم" سجلت في مركز اقتراع في مدينة نائية من مدن تركيا، ليس لأن قلوبنا تميل ناحية أردوغان الرئيس الذي انتخبه شعبه بغالبية ساحقة مع حزبه رغم اختلافه مع الأحزاب العلمانية في بلاده، إنما لأننا نميل الى تجربة تشبه ما نحلم به، إننا قبل كل ذلك انبهرنا بالنموذج الناجح الذي تصدرته تركيا سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً... إننا أصبحنا نتعاطف مع كل ما يحصل فيها لكل تلك الأسباب التي سبقت، نحن نراها مثالاً للدولة التي نتمناها لأننا نفتقر في بلداننا العربية الى النموذج الديمقراطي الناجح الذي يُفشي الحريات ويعطي الحقوق ويفرض الواجبات على الحكومات والأفراد والمجموعات على حد سواء... إننا جوعى لنموذج يحاسب الفساد المستشري في بلداننا اعترفنا أم لم نعترف، إننا عطشى لانتخابٍ حقيقي لا تجري فيه واسطات ومحسوبيات وقبائليات ونهب للمال العام وفرض لشخصيات ذاتها ببيروقراطية نحياها منذ نعومة أظافرنا.

قد لا ينفع جلد الذات دائماً، ولا يجدي التعميم كذلك فبعض الدول العربية أفضل حالاً من أخرى في مسألة الحريات الاقتصادية والسياسية، لكن علينا أن نعترف أننا انبهرنا بالنموذج التركي كدولة وليس كـ"أردوغان، فنحن كأجيال جديدة لم نعرف هذا النموذج ولم نجربه من قبل، ولهذا فقد تفاعل أكثر العرب مع "إيفيت" دون "هايير" بالتعديلات الدستورية التركية رغم أنه لا يدرك لماذا تم هذا التصويت من الأصل، ولهذا السبب أيضاً خرجت الجماهير العربية قبل فترة للاحتفال بعرس إفشال الانقلاب في تركيا بقوة الشعب التركي وصرامته وإرادته... وغَنينا ورَقصنا وشاركنا في "عرس" جارتنا تركيا ونحن أصلاً "مش معزومين"...