غزواتٌ بلا سيوف

الثلاثاء 18 أبريل 2017 05:08 م بتوقيت القدس المحتلة

أيمن دلول

في زمن استيقظت أجيالٌ عربية متتابعة على معالم عواصم عربية لا تملك من صور السيادة إلا رفع قطعة من القماش ملونة بألوان مختلفة مع كل صباح، وبأشكال قسمتها تقسيمات المكان كما أرادها لهم “العم سام”، وفي توقيتٍ حاولت الأجيال العربية البحث في حاضرها عن بصيص انتصارٍ يجعل العربي يعيش حالةً من الكرامة التي تشَّربها في الصحاري العربية الشاسعة على مدار السنين، وفي ظلمة ليل حالكٍ نظر فيها العربي الشاب بكل تفحصٍ عله يرى بصيص نورٍ وإن كان من بعيد، لكنه لم يرَ اقتراباً من ساعات الفجر.

للواقع العربي حكايةُ حاضر لا تبعث إلا على إرسال المشيب لرأس طفلٍ لم تتخطَ سني عمره أصابع كلتا يديه، فليس من الغريب أن ينحني ظهر الأمة العربية وتخترق أخاديد من التجاعيد وجهها القمحي وأناملها التي كانت تسرُ الناظرين، فبات صاحبها يُصاب بالإحباط حين اختلاس نظرة إليها.

في كتاب الحياة العربية الحاضر، نمتلك كنوزاً تذهب إلى كافة أرجاء العالم من النفط وغيره من المعادن الثمينة ولا توجد في بلادنا إلا بأغلى الأثمان، وفي صفحات حياتنا نقرأ عن جيوشٍ بالملايين وأساطيل وطائرات وأسلحة ومعدات، لكن بلادنا العربية لم تسجلَ انتصاراً في أرشيفها الحاضر منذ عقود من الزمن، فلم نتمكن من محو مصطلح النكبة التي حدثت في فلسطين عام 1948م بانتصار، ولم نُغير واقع النكسة العربية عام 1967م بثبات ونهضة، ولم نتمكن من الدفاع عن حدودنا وأطفالنا، بل كانت المعادلة العربية عكسية فكلما امتلكنا سلاحاً أكثر، كلما قتل الغرب منا الكثير، والواقع الحالي يشهد على ذلك.

ما دام الحال كذلك فلماذا نمتلك السلاح؟. ولماذا لا نبحث عن انتصارات أخرى بدون سلاح حسب الرؤيا التي بات العديد من الزعماء والقادة العرب يروجونها هذه الأيام للتغطية على عورتهم التي انكشفت ولم يعد هناك ما يسترها؟.

بعيداً عن الواقعية التي لم نتمكن من تحقيق انتصار في ساحتها، يمكن البحث عن انتصارات أخرى لا تحتاج إلى مدافع أو طائرات، والأمثلة على ذلك كبيرة ومتعددة، والساحة ستجد ابداعات ومواهب عربية تخترق الصفوف العالمية وتحجز لها مكاناً متقدماً في هذا المضمار، فما دُمنا لم نخترق موسوعة “غينتس” للأرقام القياسية بابتكار علمي فريد يخدم البشرية في الطب أو الهندسة وغيرها كما فعل أجدادنا، فيمكن الاستعاضة عن ذلك بأكبر صحن تبولة أو حمص، وفي النهاية سنكون اخترقنا الساحة الدولية التي تواجه أمتنا العربية في كل مرة!!.

ومع اهتمام العالم بالفن، فنحن العرب قادرون على النهوض بهذا المجال المهم الذي يُخاطب حواس الإنسان كافة، وبدلاً من التوجه إليهم لإيجاد مكان لنا، بالإمكان صناعة برامج لتنمية مواهبنا العربية وتشكيل حاضنة لها من خلال “عرب آيدول” وغيرها، وهي برامج من خلالها نُعيد الصدى للقضية الفلسطينية ونُثبت بأنها حاضرة في الوطن العربي من قبل “الفنانين والفنانات”، بل يمكن أن تكون مثل هذه البرامج قِبلة لبعض القادة الفلسطينيين، وإن كان بشراء ذمم القائمين عليها بهدف “رفع رصيد القضية الفلسطينية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي”، ولا ضير حين ذلك بالوسيلة المستخدمة فالزعامات العربية علمتنا بأن “الغاية تُبرر الوسيلة”!!.

وبدلاً من أن نخوض معارك تسيلُ فيها الدماء لتكون نهايتها رفع العلم العربي والفلسطيني كإشارة على الفوز والانتصار، يمكن القيام بذلك بأسلوب آخر، وإن كان بمشاركة فريق فلسطيني لكرة القدم في أي دولة من الدول الغربية ورفع العلم الفلسطيني، فمجرد رفع العلم يشكل انتصاراً فلسطينيا، سيدفع الزعامات العربية وشعوبها المخدرة للتصفيق له، والخروج في الشوارع احتفاء بتلك الانتصارات الوهمية. ليس شرطاً في هذه الحالة انتصار الفريق العربي أو الفلسطيني في تلك المباراة، فمجرد المشاركة والحضور ورفع “العلم” يشكل انتصارا كبيراً لا يجب التقليل من قيمته!! هكذا يريدون منا أن نصفق كما يصفقون.

الزعامات العربية التي تحكمنا بالوراثة بغض النظر عن النظام السياسي الذي تدعي حكمه لبلدها “ورقياً”، جعلت شعوبها وكنتيجة طبيعية لحالة استشراء البطالة والمرض والفقر والحروب في بلادنا وأوطاننا، جعلت الجماهير العربية لا تُفكر بتغيير حالتها وخوض المسالك التي قد تحقق من خلالها انتصارات ترفع من شأنها، بل جعلت ملايين العرب يجلسون حول شاشات التلفزة لساعات طويلة يتأملون مباراة كرة قدم بين فريقين عربيين أو أوربيين، يتخللها اشتباكات بين الجماهير العربية، وربما قيام أحدهم بتطليق زوجته بعد هزيمة الفريق الذي يشجعه، وهي حالةٌ تريدها تلك الزعامات. هي سعيدة جداً بالحالة التي وصل لها المواطن العربي.

إن تلك الزعامات تُريد مواطناً عربياً يتابع تلك المباريات ويحرق أعصابه على مدار ساعات من المتابعة لا يفكر فيها بتوفير لقمة عيش رغيد لأطفاله، ولا تريد مواطن يقوم بممارسة الرياضية ويخترق الصفوف ويصبح نجماً جديداً من نجوم الكرة على مستوى العالم مثلاً.

وأبرز استشهاد في هذا الميدان أستحضرها لـ” معجزة الأدب العربي” مصطفى صادق الرافعي حين يقول: “إن الشعب الذي لا يجد أعمالًا كبيرة يتمجد بها، هو الذي تُخترع له الألفاظ الكبيرة ليتلهى بها”.

المشهد العربي يختصر معالم المعادلة التي نعيشها، حيث تكمن في أن كثرة الهزائم واشتداد صعوبات الحياة باتت تدفع الناس للتفاعل بشكل كبير مع أي نصر أو انجاز بغض النظر عن قيمته، بل ربما يكون ما يتم الترويج له والاحتفاء به مجرد مسألة تافهة أو تتعارض مع القيم والمبادئ القومية العربية، وهذه الحالة بحاجة لصحوةٍ عاجلة من قبل المثقفين والعلماء ليمسكوا بيد الجيل وتوجيه عنفوانه نحو ميدان الغزوات التي نحتاجها، ذلك الميدان الذي رسم من خلاله “ابن سينا” و” ابن خلدون” وغيرهم معالم الطريق لرفعة العالم، بينما كانت أوروبا تعيش في ظلامها الذي ما انقشع إلا بنور الإسلام.