الشهرة أكثر من مجرد ماديات

السبت 15 أبريل 2017 03:04 م بتوقيت القدس المحتلة

الشهرة أكثر من مجرد ماديات

قد كان الاعتقاد أنه بمجرد خروج القوى الاستعمارية من البلدان العربية، وتصفية الاحتلال بصفة شبه كلية، وتأميم لمعظم الثروات والموانئ والمطارات، أن الدول العربية ستتجه نحو بناء حكومات تكنوقراط فعالة، لتقود عملية التنمية وتبدأ بالثورة الفعلية وهي بناء اقتصاد متين، وتعليم جيد قادرين بعد عقد من الزمن أن يخرجا الشعوب العربية من الفقر والأمية بالأساس، لكن كل هذا لم يحدث وسارت الأنظمة مسارًا آخر، فدخل صناع الاستقلال في صراعات ومحاصصات ثورية، ادعى كل منهم أحقيته في تسيير شئون السلطة، وفي ظل كل هذا بدل اتجاههم نحو فتح مجال التعدد الحزبي والفكري وتأسيس لمبدأ الديمقراطية، اتجهوا نحو رفع السلاح في وجه بعضهم والتخطيط للانقلابات والاغتيالات، ومنذ ذلك الوقت إلى يوم الناس هذا لا تزال معظم البلدان العربية تعاني من هشاشة وأزمات متعددة في مختلف المجالات، وضاع مشروع التنمية الذي كنا نأمل إنجازه في مهب الريح، لكن بالرغم من هذا التعفن السياسي والاقتصادي والتربوي والفني، لا يزال هناك أناس آمنوا فعلا، بأن الخير فطري في الإنسان، وأن التغيير ممكن بعيدًا عن سجالات السلطة، وخاصة إذا قررنا أن ننأى بأنفسنا عن الثنائية الضدية التافهة (سلطة –معارضة)، منذ أيام شاهدت على إحدى القنوات التونسية، الممثل والكوميدي الشهر جعفر القاسمي، يعلن تحديًا، بأنه سيجري أكثر من سبع كيلومترات، كتحد فقط ليجمع أكثر من مليار دينار تونسي ليقوم ببناء مركز لرعاية الأطفال المصابين بالسرطان، بعد أسبوع عاد جعفر لنفس البرنامج ليعلن على الملأ أنه قام بجمع المبلغ بل وأكثر من المطلوب، لا أدري الشعور الذي تملكني حينها، لكني أحسست لأول مرة أني فخور بأني عربي وإن لم أكن تونسيًا، جعفر الذي لم يكن هذا عمله الخيري الأول قد سبق ونشط برنامج يسمى (يد واحدة)، يهتم ببناء البيوت للفقراء في مناطق عدة نائية من التراب التونسي، كما أنشأ مركزًا تجاريًا يقدم سلعًا وموادًا غذائية بالمجان للناس المجتاجين، جعفر القاسمي خريج المعهد العالي للفن المسرحي، أدرك أن للشهرة دورًا أكبر مما يعتقده البعض، وأن الفنان قادر على التغيير ليس عن طريق فضح الواقع وتعريته فقط، بل أيضًا عن طريق مثل هذه الأعمال الخيرية والتطوعية، من خلال السعي لإصلاح ما أفسدته السياسة، وتوجيه الأنظار إلى ما أهمله الساسة والمدعين أنهم صناع القرار، لأن ما قام به هذا الممثل قد شغل الرأي العام التونسي لمدة أسبوع سواء في مواقع التواصل الاجتماعي، أو في منابر إعلامية تونسية وعربية، جعفر اليوم بالنسبة لي شخصيًا، استطاع أن يفعل ما لم يستطع فعله عديد من السياسيين العرب على مر عقود، ولم تكن لهم الجرأة الكافية لخوض غمار مثل هذا التحدي، ليبعث برسالة قوية لجميع الشعوب العربية، بأن يتركوا خلافاتهم الفكرية والسياسية والأيديولوجية والتارخية، ويكون كل واحد منهم إنسانًا بالدرجة الأولى، لأن بقية الخطوات هي تحصيل حاصل، لأن الجانب المادي ليس هو العائق الأول بل هو معرفة ذاتنا وإدراك قدرتنا على التغيير بالدرجة الأولى، وهو ما استطاع أن يثبته جعفر، لأنه استطاع جمع أكثر من نصف المبلغ عن طريق رسائل SMS التي لا تكلف إلا دينارًا تونسيًا واحدًا،ليثبت أنه أفضل من كل رجل دين يلعلع صوته عاليًا في الفضائيات ليدعو الناس لإعانة المحتاجين، وأصدق من كل سياسي عربي لا يزال إلى اليوم ينظر في تلك المنصات كذبًا ويهتانًا على الشعب، والمؤثر من كل هذا أنه أثبت أن الخير لا يزال فينا حتى تقوم الساعة، فقط لأنه صادق مع نفسه ومع محبيه.