عن سورية والغول الأميركي

الجمعة 14 أبريل 2017 03:01 م بتوقيت القدس المحتلة

عن سورية والغول الأميركي

أثارت الضربة الأميركية الأخيرة لمطار الشعيرات السوري زوبعة إعلامية غير مسبوقة تقريباً في زمن الحدث السوري، رغم أنها لا تعدو أن تكون كغيرها من مئات الضربات التي تعرضت لها مواقع سورية أخرى، إن كان بواسطة قوات الأسد، أو غيرها من القوى الخارجية المتدخلة خلال السنوات الست الماضية.

لدرجة أن الخراب السوري (أقلّه المادي) بات مثالاً معاصراً. إذاً، لمَ أثارت ضربة المطار كل ردود الأفعال تلك على مستوى النخب والشارع داخلياً وإقليمياً؟ إن كان من جهة المنددين والمنزعجين على سيادة "الوطن السوري المستقل"، أو من ناحية الفرحين والمستبشرين بها؟ ما الذي حدث؟

إنه مجرد مطار، وغيره يوجد الكثير من المطارات والقواعد الجوية لدى الأسد، منها ما زالت تحت سيطرته، ومنها ما باتت تحت سيطرة الجيش الحر أو "داعش" أو قوات الحماية الكردية، وحتى القوات الروسية والأميركية سيطرت في الفترة الأخيرة على بعضها. ومن جانبها، فإن قوات التحالف دمرت قبل مطار الشعيرات العديد من المنشآت التي يستولي عليها تنظيم داعش، ومن ضمنها مستشفيات ومدارس، وهي سورية بطبيعة الحال. فما الجديد؟

ليس من اليسير الجزم بإجابة صائبة، ولكن من عقد بعض المقارنات بين كل التدمير الذي أصاب البنى التحتية والمنشآت وحتى بيوت المدنيين خلال العمليات السابقة للقوى المتدخلة، والتدخلات الخارجية التي سحقت أي معنىً للحديث عن السيادة الوطنية، وبين الضربة الأخيرة، فإننا سنلحظ متغيراً قد يبدو الأهم، وهو أنها ضربة أميركية، وهي الأولى الموجهة لهدف سوري خاضع لسيطرة نظام الأسد. فكل التدخلات الأميركية والغربية والروسية والإيرانية السابقة لم تمس هدفاً يسيطر عليه هذا النظام. ما يعني أن هناك تغيراً ما (حتى لو اعتبره البعض طفيفاً أو حتى شكلياً) قد أصاب قواعد اللعبة، مع المعرفة المسبقة للطرفين المندد والمهلل، بشدة بأس "الغول" الأميركي حين يتحرك.

ضربة أميركية هي الأولى الموجهة لهدف سوري خاضع لسيطرة نظام الأسد

ربما كان السؤال الأهم وأحياناً غير الواعي، هل استفاق هذا الغول بعد نومة أوباما الاستثنائية في التاريخ الأميركي؟ من يعتقد بذلك، ويربط الأمر بشكل مباشر (ولو بطريقة غير واعية) باستهداف المطار، هو مَن أثاره الحدث وجعله يدخل في سجالات كانت متخبطة في العديد منها، على الأقل لناحية المشاعر. فالمطمئنون للحياد الأميركي تجاه الأسد خلال السنوات الأوبامية أصابهم الذهول، وهم يرون صوراً نمطيةً لانطلاق صواريخ التوماهوك من البحر ليلاً، وأحالهم المشهد إلى ذكريات سابقة لهكذا صور من الهجوم الأميركي الذي طالما كان حاسماً ومدمراً، فاستنفروا غضباً وتخوفاً من القادم. والمخذولون من الحياد المرير للعالم تجاه المذبحة التي يعيشها السوريون منذ ست سنوات، داعبهم الأمل للسبب السابق نفسه تماماً، بأن أيام الأسد باتت حقيقة "معدودةً" وليس على طريقة أوباما.

إنها أميركا تضرب الأسد! والتاريخ الحديث لم يقدم نماذج لهزيمة أميركية بعد فيتنام. فما هو القادم؟ أعتقد أنها الصدمة للطرفين، سلباً وإيجاباً، ما استدعت كل هذا السجال الحاد وتقريباً غير المسبوق، والذي قد يتوقف قريباً في ما لو اكتشف الطرفان أن الرسالة لم تكن بالجدية التي يتخوفون منها، أو يأملون بها، ولربما ما زال في كيس حواة الألاعيب السياسية الكثير من الأفاعي التي لم تظهر بعد.

طبعاً هذا التصور السريع والمتعجل لفهم حالة السجال حول التدخل الأميركي، يستبعد من حساباته القومجيين والشيوعيين الستالينيين العرب ومدّعي المقاومة، فهم حالة خاصة عصية على أية محاولة لقراءة سياسية، ومجالهم "التحليل النفسي" كما بدا واضحاً من ردود أفعالهم في السنوات الأخيرة.